الشيخ محمد رشيد رضا
508
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( النوع الثاني . الغرائز والصفات المحمودة ) نزلت هذه السورة في أوائل ظهور الاسلام بمكة وأكثر أهلها مشركون معاندون كافرون ظالمون مجرمون جاهلون ، مستكبرة رؤساؤهم ، مقلدة دهماؤهم ، فكان مقتضى هذا تقديم الانذار فيها على التبشير كما تراه في أولها ، ولهذا كان أكثرها في بيان الصفات والخلائق والعادات القبيحة الضارة وهو النوع الأول في هذا الباب ، وكان النوع الثاني مما يعلم أكثره بالاستنباط ، وكون أصل غرائز الانسان الاستعداد للحق والباطل والخير والشر ، وكونه مختارا في كل منهما ، وكونه فطر على ترجيح ما يثبت عنده أنه خير له بالدلائل العقلية ، أو التجارب العملية ، وكون الدين مؤيدا للعقل ، حتى لا يغلب عليه الهوى والجهل فتأمل الأصل في تكوين الأمم ووحدتها في فطرتها ثم طروء الاختلاف عليها في الآية 19 - ثم انظر في مقدمة الدعوة العامة إلى الناس كافة في آخر السورة من الآية 99 - 103 وهي صريحة في استعدادهم المذكور ، وكونه اختياريا لا إكراه فيه ، وتعبيره عن سنة للّه في ترجيحهم الرجس على تزكية النفس بجعله على الذين لا يعقلون ، ولا يهتدون بآيات اللّه في السماوات والأرض ، ولا يعتبرون بسنته فيمن قبلهم من أقوام الرسل ، وكيف كانت عاقبتهم وعاقبة الرسل ومن آمن معهم ثم تأمل خلاصة هذه الدعوة من خطاب الناس في الآية 104 إلى آخر السورة من إقامة الحجة على المشركين الشاكين في دين الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وكون الشك جهلا ، وكونهم انما يعبدون وهما ، وكون ما يدعوهم اليه هو مقتضى الفطرة الحنيفية ، وكونهم يعبدون من لا يملك لهم نفعا ولا ضرا ، وكون ما جاءهم به هو الحق ، وكونهم مختارين في الاهتداء والضلال ، وكون ما يختارونه إما لأنفسهم وإما عليها ، وكونه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس موكلا بهدايتهم ولا مسيطرا عليهم وهذه الخلاصة اجمال لما تقدم تفصيله في هذه السورة وغيرها ، فارجع إلى تذكيرهم بالدلائل الكونية في الآية الثالثة التي تشير إلى أنها مغروسة في أعماق أنفسهم ، وبالدلائل العقلية بقوله في الخامسة [ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ] وفي السادسة